المرأة السّورية ليست حضوراً عابراً في مسار الأحداث، بل تمثّل جزءاً أصيلاً من تاريخ النّضال الاجتماعي والوطني في سوريا، فقد شهدت مراحل مختلفة من تاريخ البلاد مشاركة نسائية فاعلة في مواجهة التّحدّيات السّياسية والاجتماعية، حيث حملت النساء مسؤوليّات كبيرة في لحظات مفصليّة ودفعن أثماناً باهظة في سبيل الدفاع عن المجتمع وقضاياه، وعندما نعود إلى صفحات التّاريخ السّوري ونقلّبها نجد أن حضور المرأة لم يكن هامشياً، بل كان جزءاً من مسار النّضال الوطني والاجتماعي.
لقد كانت المرأة السورية في كثير من الأحيان خلف كل انتصار تحقّق للمجتمع وخلف كل معركة من أجل الكرامة والحرية وخلف كل لحظة فرح بتحقّق إنجاز أو تحرّر، فالتاريخ لا يخلّد الأبطال وحدهم، بل يخلّد أيضاً أولئك اللواتي وقفن إلى جانبهم، وأسهمن في صنع تلك اللحظات، وسواء كانت المرأة متعلّمة أم أميّة، فإن دورها في دعم المجتمع وتماسكه ظل حاضراً ومؤثّراً لأن جوهر النضال لم يكن مرتبطاً بدرجة التعليم فقط، بل بالإرادة والقدرة على تحمّل المسؤولية.
وقد شهد التّاريخ السّوري نماذج نسائية بارزة أثبتت قدرة المرأة على القيادة والتأثير فالأديبة والناشطة ماري عجمي أسّست مجلّة العروس وكانت من أوائل الأصوات النسائية التي دعت إلى تعليم المرأة ومشاركتها في الحياة العامّة، كما لعبت نازك العابد دوراً مهمّاً في الحركة الوطنية، وشاركت في النّضال ضد الانتداب الفرنسي، وأسّست جمعيّات نسوية واجتماعية ساهمت في تنظيم العمل المجتمعي، وفي المجال الفكري والثقافي برزت شخصيات مثل غادة السمان التي قدّمت خطاباً ثقافياً ناقداً لقضايا المجتمع والمرأة.
وقد كشفت التّحوّلات التي مر بها المجتمع السّوري في السنوات الأخيرة عن عمق الدور الذي تلعبه النساء في الحفاظ على استمرارية المجتمع، ففي ظل الأزمات والصراعات كانت المرأة حاضرة في ميادين العمل الإنساني والاجتماعي والسياسي، وساهمت في تنظيم المبادرات المجتمعية وحماية العائلات ودعم مسارات الحوار والعمل المدني، ويؤكّد هذا الحضور أن المرأة ليست مجرّد عنصر مساعد في الحياة العامّة، بل تشكّل في كثير من الأحيان صمّام الأمان الذي يحافظ على تماسك المجتمع في أوقات الاضطراب.
ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري النظر إلى مشاركة المرأة في الحياة السياسية بوصفها شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار وبناء السلام المجتمعي، فالتّجارب الدولية والواقع الاجتماعي يؤكّدان أن أي عملية سلام حقيقية وأي مسار لإعادة بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي لا يمكن أن ينجح ما لم تكن المرأة شريكاً فاعلاً فيه، إن إشراك النساء في هذه العمليات لا يحقّق فقط العدالة والمساواة، بل يسهم أيضاً في بناء سياسات أكثر توازناً واستجابة لاحتياجات المجتمع.
وفي الحالة السورية تبرز هذه الحقيقة بوضوح في ظل التّحوّلات السياسية العميقة التي تمر بها البلاد، فمرحلة إعادة بناء المؤسّسات وصياغة مستقبل سياسي جديد تتطلّب مشاركة واسعة من مختلف فئات المجتمع وفي مقدّمتها النساء، إن إقصاء المرأة عن مواقع صنع القرار يعني إقصاء نصف المجتمع، ويؤدّي إلى إضعاف أي مشروع يسعى إلى تحقيق انتقال سياسي عادل ومستقر.
كما أن التجارب التي شهدتها بعض المناطق السورية ومنها مناطق شمال وشرق سوريا أظهرت أن توسيع مشاركة المرأة في الإدارة المحلية والعمل السياسي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لإعادة تنظيم الحياة العامّة على أسس أكثر مشاركة وتوازناً، فقد ساهم حضور النساء في العديد من المؤسّسات المجتمعية والسياسية في تعزيز النقاش حول قضايا العدالة والمساواة ودور المجتمع في إدارة شؤونه.
إن المرحلة الراهنة بما تحمله من تحوّلات سياسية واجتماعية تفرض إعادة التفكير في طبيعة المشاركة السياسية وآليات صنع القرار، ومن هنا تبرز الحاجة إلى فتح مساحة أوسع أمام النساء للمساهمة في صياغة السياسات العامّة والمشاركة في قيادة المؤسّسات، فلنمنح النساء المساحة التي يستحققنها في صنع مجتمع أكثر سلاماً وعدلاً، ولنعيد النظر في الصور النمطية التي كرّسها المجتمع عبر سنوات طويلة والتي مازالت تتغذّى على أفكار تقيّد مشاركة المرأة في مختلف مجالات الحياة.
إن إتاحة المجال أمام المرأة ليس مجرّد استجابة لمطلب اجتماعي، بل خطوة ضرورية لبناء ما يمكن تسميته قارب النجاة الذي يمكن أن يعبر بالمجتمع نحو مرحلة أكثر استقراراً وعدالة.
وفي ضوء ذلك يمكن التأكيد على أن أي مشروع جاد للتّحوّل الديمقراطي أو الانتقال السياسي في سوريا لن يكون كاملاً أو عادلاً ما لم يتضمّن مشاركة حقيقية وفاعلة للمرأة في مختلف مستويات صنع القرار، فالمرأة السورية التي أثبتت قدرتها على الصمود والعمل في أصعب الظروف تمتلك من الخبرة والتجربة ما يؤهّلها لتكون شريكاً أساسياً في رسم ملامح المستقبل.
إن النضال الحقيقي من أجل بناء مجتمع ديمقراطي وعادل لا يمكن أن يتحقّق دون مشاركة النساء بوصفهن فاعلات أساسيات في الحياة السياسية والاجتماعية، ولذلك فإن فتح المجال أمام المرأة لتكون جزءاً من عمليّة صنع القرار ليس مجرّد مطلب نسوي، بل ضرورة تاريخية ومجتمعية لضمان مستقبل أكثر توازناً وإنصافاً لجميع السوريين.
شيماء الخلف- عضوة المجلس المركزي في حزب الوطن السّوري.





