رغم أن المرأة السورية أثبتت كفاءة استثنائية في مجالات التعليم والطب وإدارة الموارد المنزلية والمجتمعية لا سيّما في أصعب الظروف، فإن حضورها في مراكز صنع القرار العليا لا يزال دون المستوى المأمول، وتبرز هنا فجوة واضحة بين النصوص القانونية التي تضمن نظرياً حقوقاً متساوية وبين التطبيق الفعلي الذي تعرقله اعتبارات اجتماعية وبيروقراطية تحد من وصول المرأة إلى مواقع القيادة السياسية والاقتصادية.
ولا يمكن إغفال أثر الإرث الثقافي إذ لا تزال بعض التّصوّرات المجتمعية التقليدية تحصر دور المرأة في الإطار وتختزله في نطاق الأسرة والأعمال المنزلية، متجاهلة قدرتها على التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات بكفاءة، هذا التقييد غير المبرّر لا ينعكس فقط على واقع المرأة بل يمتد ليؤثّر سلباً على بنية القرار الوطني ككل.
إن إشراك المرأة في دوائر القرار ليس مجرّد مطلب إنصافي، بل هو ضرورة لتطوير آليّات الحكم وتعزيز شموليتها، فالمرأة غالباً ما تضيف زاوية نظر تركّز على الحماية الاجتماعية والتعليم والصّحّة وهي ركائز أساسية لإعادة بناء الإنسان السّوري، كما أن مشاركتها في عمليّات السّلام ترتبط بزيادة فرص استدامتها نظراً لميولها نحو الحلول التوافقية التي تحافظ على تماسك النسيج المجتمعي، إلى جانب ذلك فإن تهميش نصف المجتمع يعني عملياً إهدار نصف الطّاقات الإنتاجية والفكرية، وهو ما لا يمكن تحمّله في مرحلة تتطلّب أقصى درجات الاستفادة من الموارد البشرية.
ولكي تتّجه سوريا نحو نموذج أكثر عدالة لا بد من مقاربة متكاملة تعالج جذور المشكلة، ويبدأ ذلك بمراجعة التّشريعات التي قد تحمل في طيّاتها تمييزاً غير مباشر، مع اعتماد آليّات مرحلية مثل نظام الكوتا لضمان تمثيل حقيقي، كما يتطلّب الأمر إعادة بناء الوعي من خلال التعليم عبر ترسيخ مفاهيم المواطنة المتساوية والقيادة منذ المراحل المبكّرة.
وفي الجانب الاقتصادي يصبح تمكين المرأة من الوصول إلى الموارد والتمويل خطوة أساسية لتعزيز استقلالها ودورها في اتّخاذ القرار، أمّا الإعلام فيقع على عاتقه دور محوري في إبراز النماذج النسائية الناجحة وتغيير الصور النمطية الراسخة.
إن سوريا التي يُراد لها أن تكون قوية وعادلة ومتجدّدة لا يمكن أن تنهض بجناح واحد، فتمكين المرأة من المشاركة الفاعلة في صنع القرار السياسي والاقتصادي ليس خياراً ثانوياً بل شرط أساسي لبناء مستقبل مستقر ومتوازن، لقد تحمّلت المرأة السورية أعباء جسيمة خلال سنوات الحرب وحان الوقت لأن تُترجم تلك التضحيات إلى حضور حقيقي في مواقع التأثير وصوت مسموع في صياغة ملامح الدولة القادمة.
إن إنصاف المرأة في سوريا ليس منّة، بل هو استحقاق وطني واستثمار ضروري في مستقبل أكثر إشراقاً، وإن الخطوة الحقيقية نحو هذا المستقبل تبدأ بالاعتراف بدورها كشريك كامل في بناء الدولة لا كعنصر مكمّل، فحين تمنح المرأة المساحة التي تستحقّها لا يتغيّر واقعها فحسب، بل يتغيّر وجه المجتمع بأكمله ليصبح أكثر توازناً وعدلاً وقدرة على النّهوض من جديد.
آلاء الحمد- رئيسة مكتب المرأة في حزب الوطن السّوري.



