الحوار ثقافة وطن لا هدنة خلاف
في الأوطان التي أنهكتها الصّراعات لا يكون الحوار ترفاً فكرياً ولا مناسبة بروتوكولية تُلتقط فيها الصّور وتتبادل فيها المجاملات، بل تتحوّل إلى ضرورة وجودية وإلى جسر نجاة تعبر عليه الشعوب نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً، فالحوار الحقيقي ليس هدنة مؤقّتة بين المختلفين ولا استراحة قصيرة تسبق جولة جديدة من النّزاع، بل هو ثقافة وطنيّة راسخة تؤمن بأن الاختلاف لا يفسد الانتماء، وأن التّعدّد لا يعني التمزّق، وأن الوطن يتّسع للجميع مهما تباينت آراؤهم وتوجّهاتهم
لقد دفعت الشّعوب التي استبدلت لغة الحوار بلغة الإقصاء أثماناً باهظة لأن السّلاح قد يفرض صمتاً مؤقّتاً لكنّه لا يصنع سلاماً دائماً، ولأن الكراهية حين تُترك دون مواجهة أخلاقية وفكرية تتحوّل إلى نار تأكل الجميع بلا استثناء
ومن هنا فإن بناء الأوطان لا يبدأ من الانتصار على الآخر بل من القدرة على الإصغاء إليه وفهم مخاوفه والبحث عن مساحة مشتركة تحفظ الكرامة الوطنية والإنسانية معاً، إن الحوار بوصفه ثقافة وطنيّة يعني الاعتراف بحق الجميع في التعبير والمشاركة ويعني أن قوّة الدّولة لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات المختلفة بل بقدرتها على احتضانها ضمن مشروع وطني جامع، فالوطن ليس ملكاً لفئة دون أخرى ولا يمكن أن يُبنى بعقليّة الغالب والمغلوب لأن الأوطان التي تُدار بمنطق الإقصاء تبقى هشّة مهما امتلكت من قوّة بينما تصعد الأمم التي تجعل من الحوار قاعدة للعلاقة بين أبنائها، وفي سوريا اليوم تبدو الحاجة إلى الحوار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى في سنوات الألم الطويلة أثبتت أن لا طريق للخلاص إلا عبر التّلاقي الوطني الصادق بعيداً عن خطابات التخوين والتحريض والكراهية أن السوريين على اختلاف انتماءاتهم ومكوّناتهم تجمعهم ذاكرة واحدة وأرض واحدة ومصير واحد، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح ما لم يقم على الاعتراف المتبادل والشراكة الحقيقية، الحوار ليس ضعفاً كما يظنّه البعض بل هو أعلى درجات القوّة الأخلاقية والسياسية لأنه يتطلّب شجاعة الاعتراف بالآخر والقدرة على تقديم التنازلات من أجل المصلحة العامّة، أما الذين يرفضون الحوار فهم غالباً أسرى الخوف أو المصالح الضّيّقة أو أوهام النفوق المؤقّت، فإن تحويل الحوار إلى ثقافة وطنية يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسّسات السياسية والاجتماعية حين يتعلّم الناس أن الاختلاف سنّة حياة وأن التّنوّع مصدر غنى لا سبب صراع وعندما يصبح الحوار سلوكاً يومياً ستتراجع لغة العنف تلقائياً لأن الإنسان الذي يتقن الإصغاء لا يلجأ بسهولة إلى الكراهية، ختاماً لا يمكن لسوريا الجديدة أن تُبنى فوق ركام الأحقاد وأن تنهض بعقلية الثأر والانقسام، بل تحتاج إلى مشروع وطني أخلاقي يؤمن بأن الحوار ليس هدنة بين خلافين بل ثقافة وطن تحفظ كرامة الإنسان ووحدة الأرض ومستقبل أجيال قادمة ففي النهاية قد يختلف السوريون كثيراً لكن لا يملكون وطناً بديلاً عن سوريا.
د.محمد درويش – الناطق الرّسمي باسم حزب الوطن السّوري



