مشروع الدولة الناجح يحتاج إلى رؤية جديدة تُبنى على أسس التفكير العميق، بعيداً عن القوالب الجاهزة، المفكّرون هم من يمتلكون القدرة على فهم الواقع المعقّد والمتنوّع وتقديم حلول تتناسب مع تحدّيات المجتمع، بينما المثقّفون قد يقتصر دورهم على نقل الأفكار الجاهزة، فإن المفكّرين هم من يطرحون رؤى مبتكرة تعكس احتياجات المجتمع وتتناسب مع طبيعته، في هذا السياق يجب أن نتفهّم أن التجارب السابقة للدول الإسلامية على مر العقود لم تكن دائماً ناجحة، خاصّة عندما تم فرض قوانين دينية واحدة على جميع فئات المجتمع دون مراعاة للاختلافات.
مثال على ذلك، سوريا التي تميّزت بتنوّعها الثقافي والديني، لم تستطع أن تنجح من خلال تطبيق نموذج واحد، سواء كان دينياً أو علمانياً، فالنظام الذي سعى إلى فرض القيم الإسلامية بطرق قسرية على كافّة أطياف المجتمع قد فشل في تحقيق التّوازن بين حقوق الأقلّيات وحرّيّاتهم، ممّا أدّى إلى مشاعر التهميش والكبت على مدار الخمسين عاماً الماضية، تبيّن أن هذه التجارب لم تكن مجدية
إذن، ما نحتاج إليه اليوم هو مراجعة نقدية للماضي، بحيث نأخذ من تجاربنا السابقة الدروس والعبر، ونبني على الجيّد ونتجاوز الأخطاء، نحتاج إلى إدارة جريئة ومفكّرين قادرين على صياغة سياسات علمانية ومتوازنة تضمن حقوق جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الثقافية، ينبغي أن تكون القوانين شاملة وعادلة، وتسمح لكل فرد في المجتمع بممارسة معتقداته وتقاليده بحرّيّة، دون أن تفرض عليه نموذجاً واحداً قد لا يناسبه، هذا النوع من التفكير قد يكون هو السبيل لتحقيق دولة مدنية حقيقية
نحتاج إلى مفكّرين حقيقيين يقودون سوريا إلى المستقبل، وليس إلى أشخاص يقتصر دورهم على ترديد ما يريده الشعب، النخب الفكرية ليست مهمّتها أن تنزل إلى مستوى الشعب فقط أو تواكب رغباته السطحية، بل هي التي ترفع الشعب وتساعده على التفكير العميق، وتوجّهه نحو آفاق أوسع، هذه القيادة الفكرية قادرة على بناء رؤية استراتيجية تنهض بالمجتمع وتوجّهه نحو مستقبل مستدام.
راما حسين- رئيسة فرع طرطوس لحزب الوطن السوري.





