في هذه المرحلة المفصليّة من تاريخ سوريا يبرز الوعي المجتمعي والتكافل الوطني بوصفهما الحاجة الأكثر إلحاحاً مقارنة بكل المراحل السابقة، فالبلاد التي أنهكتها سنوات الأزمات لم تعد تحتمل مزيداً من الصّدمات أو الانقسامات الداخلية، إذ أن ما نشهده من تفجيرات وفواجع متكرّرة لا يمكن فهمه بمعزل عن محاولات منظّمة لزعزعة الأمن وبث الخوف وتحويل المواطن ضد أخيه المواطن عبر التّحريض على الفتن والطائفية وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي كان على الدوام مصدر قوّة للسوريين وركيزة صمودهم في أحلك الظروف.
إن خطورة هذه الأحداث لا تكمن فقط في خسائرها البشرية والمادّيّة بل في أهدافها العميقة التي تسعى إلى كسر الثّقة بين مكوّنات المجتمع وضرب فكرة العيش المشترك وخلق شعور دائم بعدم الأمان، لذلك فإن التعامل معها يجب أن يتجاوز الحلول الأمنية الضّيّقة ليصل إلى معالجة سياسية واجتماعية شاملة تضع الإنسان السوري في صلب الاهتمام، وتعيد الاعتبار لقيم العدالة والمساواة والانتماء الوطني، فحقن دماء الشعب السوري يجب أن يكون أولوية مطلقة لا تقبل المساومة، ويتطلّب ذلك إرادة حقيقية لتطبيق حلول عمليّة تضمن سلامة المدنيين، وتمنع تكرار دوّامات العنف، كما يتطلّب فتح مسارات جِدّية للحوار ومعالجة أسباب التّوتّر والخلاف بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها، فالعنف لا يُولّد إلا عنفاً مضادّاً، بينما الحوار العاقل هو الطريق الأقصر نحو الاستقرار.
ومن أهمِّ ركائز أي حل مستدام إعطاء الحقوق كاملة وبالتساوي لجميع أبناء الشعب السوري دون تمييز على أساس الانتماء أو الخلفية، فالشعور بالعدالة هو الضمانة الحقيقية للوحدة الوطنية، وهو الكفيل بقطع الطريق على كل خطاب تحريضي يستثمر في المظلومية أو الإقصاء، كما أن العدالة المتوازنة تعزّز ثقة المواطن بالدولة، وتدفعه ليكون شريكاً في حمايتها لا خصماً لها، وهو ما يشكّل أساساً متيناً لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع ومؤسّساته.
وفي هذا السياق تبرز مسألة فتح الآفاق أمام حل الخلافات الداخلية عبر خطوات مدروسة تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرّق وتستند إلى مصلحة الوطن العليا لا إلى المصالح الضّيّقة أو الحسابات المؤقّتة، فالخطوة الأساسية والدّعامة الأولى لأي مشروع نهوض وطني هي إعطاء الفرص الحقيقية لأصحاب الخبرات والكفاءات دون إقصاء أو تهميش، وخصوصاً من فئة الشباب والمرأة الذين يشكّلون الطاقة الأكبر والأكثر قدرة على التغيير الإيجابي، إذا ما أُتيحت لهم المساحة والدعم اللازمين.
لذلك فإن تمكين الشباب ليس شعاراً بل ضرورة وطنيّة، فالشباب الذين عايشوا الأزمة بكل تفاصيلها يمتلكون فهماً عميقاً لتحدّيات الواقع، وهم الأقدر على ابتكار حلول جديدة أكثر إدراكاً بحاجات المجتمع، كما أن إشراك المرأة في مواقع القرار والعمل العام ليس مسألة شكلية أو ترفاً سياسياً، بل هو استثمار حقيقي في نصف المجتمع وفي بناء رؤية أكثر توازناً وعدلاً وشمولاً قادرة على إنتاج سياسات أكثر إنسانية واستدامة.
ولا يمكن تجاهل العوائق التي تحول دون اتّفاق السوريين مع بعضهم بكل مكوّناتهم، والتي تشمل انعدام الثقة وتراكم الجراح وخطاب الكراهية والتّدخّلات الخارجية، غير أن تجاوز هذه العوائق ممكن إذا توفّرت النّيّة الصادقة والقيادة الحكيمة التي تضع مصلحة سوريا فوق كل اعتبار، وتعمل على ترميم ما تصدّع في الوعي قبل الحجر.
سوريا اليوم بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد غير معلن يقوم على الاحترام المتبادل والشراكة والمسؤولية المشتركة، وبحاجة إلى خطاب سياسي واجتماعي هادئ وعقلاني يرفض العنف والطائفية، ويؤمن بأن الاختلاف لا يفسد للوطن قضيّة، بل يغنيه إذا أحسن إدارته، فالمستقبل لا يُبنى بالانتقام ولا بالتخوين، بل بالوعي والتكافل والعمل المشترك من أجل وطن يتّسع لجميع أبنائه دون استثناء.
فاطمة الفرج- عضوة قيادة مكتب المرأة لحزب الوطن السوري.





