تعيش سوريا اليوم لحظة تاريخية شديدة الحساسية، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرّد انتقال سياسي أعقب انهيار النظام السابق، بل باعتبارها بداية مرحلة تأسيسية قد ترسم ملامح الدولة السورية لعقود قادمة، فالمشهد السوري يقف عند مفترق طرق حقيقي، إما تحويل الفراغ السياسي الراهن إلى فرصة لبناء مشروع وطني ديمقراطي جامع، أو إعادة إنتاج أنماط الحكم القديمة بصيغ جديدة تحت عناوين الاستقرار والواقعية السياسية،
ما نشهده اليوم ليس انتصاراً ديمقراطياً مكتملاً، بل حالة فراغ سياسي نشأت عقب تفكّك بنية النظام السابق، في ظل عجز القوى الديمقراطية حتى الآن عن ملء هذا الفراغ بمشروع منظّم قادر على إدارة المرحلة الانتقالية، وفي هذا السياق برزت قيادة انتقالية تحظى بقبول بحكم الأمر الواقع، مستندة أساساً إلى توازنات القوّة وإلى زخم نهاية مرحلة أكثر ممّا تستند إلى عقد سياسي جامع أو تفويض شعبي واضح، وهو وضع مفهوم في سياق التحوّلات الكبرى، لكنّه يظل هشّاً ما لم يُستكمل بتوافق وطني واسع يؤسّس لشرعية سياسية مستقرّة،
ضمن هذا السياق يكتسب اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق أهميّة سياسيّة خاصّة، إذ يشير إلى تحوّل محتمل في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف داخل الدّولة السورية، فالاتفاق يعكس إدراكاً متزايداً بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على منطق الغلبة العسكرية وحده، بل على تسويات سياسية تعترف بتعدّد القوى الفاعلة على الأرض، وتبحث عن صيغ جديدة لإدارة الدولة،
وإذا أُدير هذا الاتفاق بعقلانية سياسية، فقد يشكّل مدخلاً لإعادة التفكير في شكل الدولة السورية المقبلة، وفي طبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والمناطق المختلفة، بما يفتح المجال أمام نماذج حكم أكثر مرونة وعدالة، غير أن خطورته تكمن في احتمال اختزاله في ترتيبات تكتيكية محدودة لا تندرج ضمن رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء الدولة،
في المقابل يمتلك الطيف الديمقراطي السوري طاقة سياسية كامنة يمكن أن تتحوّل إلى قوّة فاعلة إذا نجح في تجاوز حالة التّشتّت الحالية، فالتّعدّد داخل هذا الطيف لا يمثّل بالضرورة مصدر ضعف، بل يمكن أن يشكّل عنصر غنى سياسي، شرط أن يُدار ضمن إطار جامع يضمن الحد الأدنى من التّوافق، ويؤسّس لالتزام مشترك تجاه مشروع وطني جامع،
إن غياب مثل هذا الإطار لا يفتح الباب للاختلاف المشروع فحسب، بل يهدّد بتعميق الانقسامات داخل القوى الديمقراطية نفسها، بما يضعف مصداقيتها، ويتيح المجال أمام مشاريع سلطوية جديدة تتقدّم باسم الواقعية السياسية أو الحفاظ على الاستقرار،
من هنا فإن بناء تحالف ديمقراطي واسع لم يعد خياراً نخبوياً أو ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة، تحالف يقوم على قدر من التواضع السياسي، وعلى مراجعة نقدية للتجارب السابقة، وعلى تجاوز خطاب التخوين والاحتكار الأخلاقي الذي استنزف المجال السياسي السوري طوال السنوات الماضية،
وفي ظل الانهيار العميق الذي أصاب البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تبدو مهمّة إعادة البناء شديدة التعقيد، غير أن هذه اللحظة على قسوتها قد تمثّل أيضاً فرصة نادرة لإعادة التفكير في معنى وحدة سوريا نفسها لا كوحدة مفروضة بالقوّة، بل كشراكة طوعية تقوم على الاعتراف المتبادل بين جميع مكوّنات المجتمع،
إن بناء هذه الوحدة يتطلّب عقداً وطنياً جديداً يؤسّس للمواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية، ويعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشراكة لا الهيمنة، ومفتاح هذا المسار هو إطلاق مؤتمر وطني شامل لا يقصي أحداً، ويضم مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وممثّلي المناطق والمكوّنات، بما في ذلك القوى المسيطرة على الأرض باعتبارها جزءاً من الواقع السياسي الذي لا يمكن تجاوزه،
فالخطر الحقيقي لم يعد في الانقسام وحده، بل في الوهم بأن الاستقرار يمكن فرضه دون عقد اجتماعي جديد يعيد للإنسان السوري مكانته كفاعل في تقرير مصيره،
إن اللحظة السورية الراهنة لا تحتمل التّردّد، فالمسؤولية التاريخية تفرض على القوى الديمقراطية أن تتقدّم برؤية جامعة تتجاوز منطق الصراع على السلطة، لتصبح شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل سوريا،
فالقضية لم تعد في من يحكم، بل في كيفية إعادة بناء دولة تتّسع لجميع أبنائها، وتؤسّس لعيش مشترك قائم على الكرامة والتّعدّد والعدالة، وإمّا أن تكون القوى الديمقراطية شريكاً في رسم هذا الأفق، أو يُعاد تشكيل مستقبل البلاد بعيداً عن إرادة السوريين، لتعود المأساة بصيغة أكثر هدوءاً لكنّها أكثر قسوة.
عضو المكتب السياسي لحزب الوطن السوري _ الرفيق عبد القادر الموحد





