لم تعد التّوتّرات التي تعيشها المنطقة حدثاً عابراً يمكن احتواؤه ببيان تهدئة أو بإجراء مؤقّت، بل أصبحت حالة ممتدّة من الاحتقان المركّب تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، ويتشابك فيها الأمني بالاجتماعي، حتّى صار الاضطراب سمة من سمات المرحلة، وأضحى الاستقرار هدفاً بعيداً يسعى إليه وسط عواصف متلاحقة
يتجلّى المشهد المتوتّر في استقطاب سياسي حاد يبدّد فرص التّوافق، ويحوّل الاختلاف الطبيعي إلى انقسام يعطّل المؤسّسات، ويضعف قدرتها علي اتخاذ قرارات حاسمة، ومع تضارب الخطابات وغياب الشفافية الكافية تتآكل الثّقة العامّة تدريجياً، فيشعر المواطن أن المسافة بينه وبين مراكز القرار تتّسع، وهذه الفجوة لا تبقى في حدود السياسة، بل تنعكس على المزاج العام، وتغذّي شعوراً متزايداً بالقلق وعدم اليقين
وفي موازاة ذلك تتفاقم الأزمات المعيشية، فتتحوّل الضّغوط الاقتصادية إلى عنصر يومي في حياة الناس، فارتفاع التّكاليف وضبابية الفرص وتراجع القدرة الشرائية تجعل المواطن في مواجهة مستمرّة مع تحدّيات تثقل كاهله، ومع غياب حلول جذرية يرتفع منسوب الاحتقان الاجتماعي، ويصبح أي حدث طارئ شرارة محتملة لموجة جديدة من التّوتّر
ولا يمكن إغفال أثر التداخلات الإقليمية والدولية في تعقيد المشهد، فحين تتقاطع المصالح الخارجية مع الملّفات الداخلية يصبح القرار الوطني محكوماً بتوازنات دقيقة، وقد يبدو أحياناً أسير حسابات لا تنبع بالكامل من الأولويات المحلية، وهذا الواقع يزيد من صعوبة رسم مسار إصلاحي مستقل، ويجعل أي مبادرة عرضة للتجاذبات
تتفاقم التّوتّرات لأن السياسات المعتمدة غالباً ما تأتي في إطار ردود فعل آنيّة، لا ضمن رؤية استراتيجية شاملة، فإدارة الأزمات بمنطق التجزئة والترقيع قد تمنع الانفجار المؤقّت، لكنّها لا تعالج الجذور العميقة للاختلال، ومع غياب قنوات حوار وطني فعّال تبقى الساحة مفتوحة أمام التأويلات والشائعات ممّا يعمّق هشاشة البيئة السياسية
إن تجاوز هذه المرحلة لا يتحقّق بإجراءات متفرّقة، بل يتطلّب سياسة تعيد هندسة المشهد من أساسه تبدأ بإعادة بناء الثّقة عبر شفافية حقيقية تقدّم المعلومات بوضوح وتشرك المجتمع في صناعة القرار، وتفعّل أدوات الرّقابة المؤسّسية بما يضمن المساءلة، فالثّقة ليست شعاراً، بل نتيجة مسار متراكم من الصّدق والاتّساق.
كما أن فتح مسارات حوار وطني جاد يعد ضرورة لا ترفاً، حوار يقوم على الاعتراف بالاختلاف وإدارته لا إنكاره أو شيطنته، فإدارة التباينات بطرق حضارية تعزّز مناعة المجتمع، وتحوّل التّنوّع إلى مصدر قوّة بدل أن يكون سبباً للصراع
وعلى الصعيد الاقتصادي لا بد من إصلاح واقعي يعالج جذور الأزمة، ويعيد توزيع الموارد بعدالة، ويمنح المواطن شعوراً بأن الدولة شريك في تحسين حياته لا عبء إضافي عليه، فالتنمية العادلة هي أساس الاستقرار طويل الأمد
وأخيراً يظل تعزيز سيادة القانون ركيزة لا غنى عنها، فلا استقرار بلا عدالة ولا عدالة بلا مؤسّسات قويّة قادرة على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، فحين يشعر الناس أن القواعد واضحة ومطبّقة على الكل تتراجع دوافع الاحتقان ويترسّخ الإحساس بالأمان
الخروج من دائرة التّوتّر ليس مستحيلاً لكنه يتطلّب إرادة سياسية واعية ورؤية بعيدة المدى وشراكة مجتمعية حقيقية، فإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية على أسس من العدالة والشفافية والتنمية هي الطريق الأقرب للانتقال من حافّة الاحتقان إلى أفق الاستقرار.
روعة ذياب- عضوة قيادة مكتب التّنظيم المركزي في حزب الوطن السّوري.





