لا شك بأن التحوّلات الجذرية التي شهدتها سوريا، تفرض توقيتاً سياسياً على السوريين استثماره وتوظيفه في سياق وطني واضح، فالحدث السوري ورغم عناوينه المعقّدة، إلا أنه توازياً مع ذلك يحمل الكثير من الفرص التي يجب أن تُترجم كمعادلة سياسية تحمل في طيّاتها إمكانية الخلاص بمعناه التوافقي وعمقه الوطني، خاصّة أن طبيعة الحدث السوري وإشكالياته الداخلية تؤكّد أن التوافق الوطني ليس مجرّد خيار تكتيكي، بل عماداً استراتيجياً يُعيد رسم خريطة المستقبل السوري، هذا التوافق الذي يجب أن يتجاوز الاتفاقيات السطحية ليصبح عمليّة بناء إجماع عميق، يعتمد على إعادة صياغة الهُويّة الوطنيّة كقوّة موحّدة، قادرة على تجاوز الشقوق الطائفية التي غذّت النزاع السوري لأكثر من عقد.
في هذا السياق، تتحوّل دقّة الحدث السوري في مساره السياسي إلى مفتاح يحوّل الفرصة الراهنة من مجرّد وميض إلى بنية سياسية مستقرّة، تُترجم توافقاتها إلى مؤسّسات حديثة تحمي سوريا من مخاطر العودة إلى دورات العنف المتكرّرة، فالتوافق الوطني في سوريا اليوم ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية تنبع من فشل النهج السابق الذي اعتمد على الهيمنة الفريقية أو الولاءات الضّيّقة، وعليه فإن توافق السوريين يجب أن يتم بناؤه في العمق على إعادة صياغة الهُويّة الوطنيّة التي تعني تجاوز الروايات الفرعية سواء كانت طائفية أو عرقية، نحو سرد وطني جامع يجعل سوريا ككل محوراً مركزياً، هذا البناء يتطلّب وعياً تاريخياً يعترف بأن النزاع السوري لم يكن مجرّد صراع مسلّح، بل انهياراً للنسيج الاجتماعي الذي سمح للانقسامات الخارجية بالتّسلّل، وبدون هذا الإجماع يظل أي انتقال سياسي عرضة للانهيار، إذ يفتقر إلى الشرعية الشعبية التي تحوّل الدولة من أداة قمع إلى كيان يمثّل الجميع.
في الوقت نفسه، يبرز التّحدّي في ترجمة هذا التوافق إلى ممارسات يوميّة واقعية، حيث يجب أن يجمع بين الواقعية السياسية التي تأخذ بعين الاعتبار توازنات القوى الميدانية، والطموح الوطني الذي يتجاوز اللحظة الراهنة، وبالتالي فإن فشل هذا التوازن قد يؤدّي إلى تكرار أنماط الماضي، مثل محاولات الاستئثار التي تثير ردود فعل معاكسة، ممّا يجعل التوافق شرطاً لاستقلال حقيقي يحمي سوريا من التّدخّلات الخارجية المتكرّرة، بهذا المعنى يكتسب التوافق الوطني أهميّة استراتيجية عميقة لأنه يشكّل أساساً لإعادة بناء الدولة ككيان موحّد، يتجاوز حدود اللحظة السياسية ليصبح إطاراً للتنمية الشاملة في المستويات كافّة، ويتيح هذا الإجماع إعادة توجيه الموارد نحو مشاريع تنموية مشتركة.
التوافق الوطني في معناه الواسع يفتح الباب أمام برامج للعدالة الانتقالية تعترف بالمعاناة المشتركة وتبني آليات للمصالحة، ممّا يعزّز التماسك الوطني كسد ضد الانقسامات المستقبلية، ومع ذلك يظل النجاح مرهوناً بإدارة التّحدّيات الداخلية والخارجية، فالقوى الإقليمية والدولية قد تسعى لاستغلال أي ضعف في التوافق لفرض أجنداتها، بينما الديناميات المحلّيّة قد تعرقل العملية إن لم تُدر بحكمة، هنا يأتي دور القيادة السياسية في تبنّي نهج يعتمد على الحوار الشامل، ليصبح التوافق الوطني ليس وثيقة، بل ممارسة مستمرّة تحوّل سوريا إلى دولة حديثة قادرة على الصمود.
في الختام، يمثّل التوافق الوطني في سوريا اليوم السبيل الوحيد لتحويل التّحوّلات الجذرية إلى بنية سياسية مستدامة، تعيد صياغة الهُويّة الوطنية كقوّة موحّدة تجاوزت الشقوق الطائفية والإقليمية، وتبني إجماعاً عميقاً يحمي من دورات العنف، ويواجه التّدخّلات الخارجية، هذا التوافق لا يتحقّق إلا بركائز أساسية: الديمقراطية التي تضمن مشاركة الجميع في صنع القرار، والتّعدّدية التي تحتضن التّنوّع كمصدر قوّة، واللامركزية التي تمكّن المجتمعات المحلّيّة من إدارة شؤونها بفعالية، ممّا يعزّز العدالة الانتقالية والتنمية الشاملة، بهذه الركائز تتحوّل سوريا من ساحة نزاع إلى دولة حديثة صامدة يقودها إجماع وطني يعيد رسم مستقبلها ككيان موحّد ومزدهر.
أمجد الآغا – رئيس فرع حماة لحزب الوطن السوري.





