تقف سوريا اليوم عند مفترق طرق بالغ الحساسيّة بعد سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف والتّشظّي السّياسي والاجتماعي، حيث لم تعد الأسئلة الكبرى تتعلّق فقط بمن يحكم، أو كيف تدار السلطة، بل بات السّؤال الأعمق كيف نحافظ على المجتمع السوري نفسه من التّفكّك؟ وكيف نعيد ترميم الثقة بين السّوريين بعد ما أصابها ما أصابها من تصدّعات عميقة؟
لقد أفرزت سنوات الصّراع واقعاً معقّداً تغذّيه تدخّلات خارجية وخطابات كراهية ومحاولات دؤوبة لجر السوريين إلى صراع هُويّات ضيّقة، وفي ظل هذا الواقع يصبح التّماسك المجتمعي ليس ترفاً فكرياً ولا شعاراً سياسياً، بل شرطاً وجودياً لبقاء سوريا دولة ومجتمعاً، إن التّماسك المجتمعي لا يعني إنكار التّنوّع السّوري أو تذويبه، بل على العكس يقوم على الاعتراف بهذا التّنوّع بوصفه مصدر قوّة وغنى، لا سبباً للصراع والاحتراب، فسوريا كانت عبر تاريخها الطويل فسيفساء متكاملة من الثقافات والانتماءات، ولم تكن يوماً أحادية أو مغلقة، المشكلة لم تكن يوماً في التّنوّع، بل في توظيفه سياسياً وتحويله إلى أداة للفرز والإقصاء، اليوم ومع تعقيد المشهد السياسي وغياب الحلول الشاملة تبدو المجتمعات المحلّيّة أكثر عرضة للاهتزاز أمام أي شرارة تحريض أو خطاب كراهية،
من هنا تبرز مسؤولية القوى السياسية والمجتمعية والنّخب الثّقافية والدينية في العمل الجاد على تحصين المجتمع عبر نشر خطاب عقلاني ووطني بعيد عن الحسابات الآنيّة، التماسك المجتمعي يبدأ من استعادة الثّقة بين المواطن ومحيطه وبين المجتمع وأي مشروع سياسي يُطرح في المستقبل، وهذه الثّقة لا تُبنى بالشعارات بل بالعدالة والاعتراف المتبادل ورفض منطق الانتقام والعمل على جبر الضّرر وفتح مسارات حوار حقيقية،
إن سوريا وهي على هذا المفترق الحاسم لا تملك ترف إضاعة المزيد من الوقت في صراعات داخلية أو رهانات خاسرة، فإمّا أن يختار السّوريون طريق التّلاقي والتّعاضد، وإمّا أن يُترك المجال أمام مزيد من التّفكّك والانهيار، وفي هذا السياق يصبح التماسك المجتمعي خياراً واقعياً وأخلاقياً وحيداً لعبور المرحلة ووضع البلاد على سكّة التّعافي وبناء المستقبل،
وهنا يمكن القول أن الحل في سوريا لن يكون سياسياً ولا أمنياً فقط، بل مجتمعياً بالدرجة الأولى، فحين يتماسك المجتمع يصبح قادراً على فرض الحلول وحماية السّلم الأهلي وقطع الطّريق على كل مشاريع الفتنة
التماسك المجتمعي ليس شعار المرحلة فحسب، بل هو بوصلتها وشرط نجاحها.
د.محمد درويش النّاطق الرّسمي باسم حزب الوطن السّوري





