في اللحظات التي يتكاثر فيها الغبار حول المشهد السوري تبدو الهوية الوطنية وكأنها الجمر المتقد تحت رماد طويل
تنتظر من يزيح عنها ثقل السنين لتعود وتظيف طريقا يليق بتاريخ هذا الوطن وحاضره ومستقبله في وسط رهانات التحريض الطائفي ومحاولات شق الصفوف تقف سوريا اليوم أمام سؤال وجودي أي مستقبل ينتظر شعبا لم يمنح فرصة لالتقاط أنفاسه خارج ضجيج الانقسامات
لقد أدرك السوريون عبر تجاربهم المريرة خلال العقدين الماضيين أن الطائفية ليست أكثر من فخ منصوب بمهارة وأن الانزلاق إلى مربعاتها الضيقة لا يخدم سوى الذين يريدون لوطن عمره آلاف السنين أن يتحول إلى فسيفساء متنافرة تحرك لمآرب سياسية أو أقليمية فالمسألة لم تكن يوما خلافا بين مكونات الشعب بل صراعا بين من يريد دولة المواطنة ومن يصر على جر الوطن السوري إلى محاور وحروب هويات صغيرة وسط هذا المشهد تبدو الهوية الوطنية السورية هي الخيمة الأخيرة التي يمكن أن تجمع الجميع بلا استثناء إنها هوية تشكلت من داخل التاريخ وامتزجت فيها اللغات والاعراق والطقوس وصاغت مجتمعا لايشبه غيره
الهوية الوطنية السورية ليست وثيقة تعلق على الجدران بل شعورا عميقا بأن الانتماء للوطن يسبق كل انتماء آخر وأن الأرض التي ازدهرت عليها حضارات العالم لا يمكن أن تختنق في مستنقعات خطاب الكراهية ومع كل موجات التحريض الطائفي التي تعصف بالمنطقة تصبح مسؤولية القوى السياسية والاجتماعية والثقافية مضاعفة إذ لا يكفي التنديد بل لابد من العمل على بناء خطاب وطني عابر للطوائف يوقف تسلل السموم إلى الوعي العام ويعيد الاعتبار للمشترك الانساني الذي يجمع السوريين
فالمواطن الذي يشعر بالكرامة والحقوق المتساوية لن يكون صيدا سهلا لمحرض أو تاجر دم أو داعية تقسيم
إن الهوية الوطنية ليست شعارا يرفع في المحافل بل ممارسة يومية تبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام وتكتمل حين تصبح المواطنة معيار العدالة الوحيد وهي لا تعني الغاء الخصوصيات الثقافية والدينية والقومية لأي مكون بل على العكس تقوم على احتضانها ضمن إطار جامع يصونها من الاستغلال السياسي
لقد أثبتت التجارب أن الرهان على الطائفية هو رهان قصير النظر أما الرهان على الهوية الوطنية السورية فهو وحده القادر على حماية المجتمع من التشظي وإعادة بث الروح في مشروع الدولة العادلة
فقد آن الأوان كي يتقدم السوريون إلى مساحة أرحب من الانتماء مساحة تعلو فوق التوترات المصطنعة وتعيد لوطنهم اسمه الحقيقي الوطن السوري لكل أبنائه ويبقى السؤال الأعمق والأوسع
هل نستطيع كسوريين أن نصوغ عقدا وطنيا جديدا يستمد قوته من الوجدان الجمعي لا من الخوف المتبادل
الجواب يكمن في إرادة الناس أكثر مما يكمن في حسابات الساسة
فحين يختار السوريون أن يكونوا أبناء وطن لا أبناء طوائف تنحسر كل رهانات التحريض وتنهار معها جدران الكراهية
إن مستقبل الوطن السوري لن يكتب بمداد التحريض بل بمداد المواطنة ولن يبنى على شقوق الطائفية بل على جسور الثقة عندها فقط تستعيد الهوية الوطنية السورية مكانها الطبيعي : بوصلة لا تخطئ ، وملاذا لا يخترق وسبيلا إلى وطن يستحق الحياة.





