عالمنا اليوم يعيش في حالة من التغيير المستمر تغيّرات علميّة، فكريّة، وسياسيّة تتسارع بشكل لم نشهده من قبل، أصبح كل شيء في حركة دائمة، والكثير من الثوابت التي كانت تُعتبر مقدّسة قد تعرّضت للشك والبحث ،وهذا يشمل بشكل خاص طريقة التربية والعلاقات بين الأجيال.
في الماضي كانت النصائح التي يقدّمها الكبار للصغار تُعتبر حكماً لا يُرد، إلا أن الواقع اليوم أظهر أن الكثير من هذه النصائح قد فشلت في مواجهة التّحدّيات الحقيقية التي يواجهها الشباب لم تعد النصيحة التقليدية التي كانت تقدّمها الأجيال السابقة قادرة على تزويد الشباب بالأدوات اللازمة لمواجهة تحدّيات العصر، بل على العكس، أصبحت هذه النصائح في كثير من الأحيان محل سخرية من قبل الجيل الجديد الذي يرى فيها عوائق وليس حوافز.
الواقع المعاش اليوم يعكس انهياراً على العديد من الأصعدة، ممّا جعل الأفكار التقليدية يبدو وكأنها عاجزة عن تقديم الحلول، الشباب اليوم لم يعد يقبل التوجيه العتيق، بل بدأ في التعبير عن رفضه للمفاهيم القديمة عبر الثورة على كل شيء من الموضة، إلى أسلوب الحياة والموسيقى، وحتّى طرق التفكير، ولكن هذه الثورة ليست بالضرورة سلبية، إذ يمكن اعتبارها تعبيراً صحيّاً عن البحث المستمر عن الذات والهُويّة، يجب على الأجيال الأكبر سنّاً أن تتفهّم هذه الظاهرة، لا أن تقف في وجهها، بل أن تقدّم النصيحة الحكيمة في الوقت المناسب، مع توجيه الشباب نحو التمييز بين “الثورة” و”الهوجة”.
“الثورة” ليست مجرّد تمرّد عابر، بل هي نتاج بحث عميق وسعي لتغيير الواقع نحو الأفضل أمّا “الهوجة” فهي تصرّفات غير مدروسة وقائمة على ردود فعل عاطفية دون أساس فكري أو عملي، الشباب بحاجة إلى تعلّم كيفية التفرقة بين هذين المفهومين، فالعالم اليوم لا يرحم من يسير في اتجاهات عشوائية بلا بوصلة، والحياة لا تسمح لأحد بالبقاء في مكانه من لم يواكب حركة الزمن سيجد نفسه متأخّراً عن الركب.
إن مهمّتنا كآباء ومربّين هي توفير الجسور التي تمكن الشباب من عبور الفجوة بين الماضي والحاضر علينا أن نزرع فيهم فهماً عميقاً لواقعهم، مع مساعدتهم على تحليل الحضارة التي يعيشون فيها، ليتمكّنوا من الإضافة إليها وتغيير ما يجب تغييره فلا يمكن لنا أن نحتفظ بحضارة أو ثقافة إذا لم نسمح لجيل الشباب بأن يعيد تشكيلها بما يتناسب مع متطلّبات العصر.
الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الكثير من الآباء هو محاولة فرض قيمهم وأسلوب حياتهم على أبنائهم كما لو أن الزمن لم يتغيّر في الحقيقة، لا يمكن قياس حماسة الشباب وحيويتهم بمقاييس الجيل القديم، فلكل جيل خصائصه وتحدّياته، كما أن تقدّم العمر لا يعني بالضرورة امتلاك الحقائق المطلقة، بل إن هذا التقدّم يرتبط في الأساس بالحكمة المكتسبة من التجارب.
في النهاية، إن التربية في هذا العصر تتطلّب مرونة وفهماً عميقاً لطبيعة الزمن الذي نعيش فيه، يجب أن نعلّم الشباب كيف يميّزون بين ما هو صواب وما هو خطأ، وبين ما هو ثورة حقيقية وما هو مجرّد رد فعل عاطفي، وعليهم أن يكونوا على دراية تامّة بحضارتهم، ليحافظوا عليها وينمّوها بما يتماشى مع متغيّرات العصر.
فلتكن الصحوة التي ينادي بها الشباب صحوة ذات طابع فكري عميق، لا مجرّد هوجة تمر دون أن تترك أثراً إيجابياً في المستقبل.
نور علي – رئيسة فرع اللاذقية لحزب الوطن السوري





