بعد سنوات الحرب، تحوّلت ذكرى الأول من أيلول من رمزٍ لبداية الحرب إلى مناسبةٍ تحمل رسالةً مناقضة لها؛ رسالةً تدعو إلى السلام ونبذ العنف. ففي عام 1970، اعتمد مجلس السلام العالمي الأول من أيلول يوماً عالمياً للسلام، لتنتشر هذه المناسبة في عددٍ من الدول والمجتمعات، وتصبح موعداً سنوياً للتعبير عن رفض الحروب، والمطالبة بالسلام والعدالة والتعايش.
وتكتسب المناسبة أهميةً خاصة في الشرق الأوسط اليوم، ورمزيةً عالية، ولا سيما أنه عاش ويعيش عقوداً من الحروب والصراعات، وما زالت آثارها حاضرة، حيث تتجدد الدعوات إلى السلام في خطابات قوى وأحزاب سياسية، ولا سيما الأحزاب الكردية التي تدعو إلى وقف العنف والانتهاكات واللجوء إلى الحلول السياسية.
تأخذ فكرة السلام في منطقة الشرق الأوسط أبعاداً عميقة تتجاوز المفهوم التقليدي السلبي للسلام، والمتمثل في مجرد “غياب الحرب” أو توقف المدافع. فبالنسبة لقطاعاتٍ واسعة من شعوب المنطقة، يرتبط السلام ارتباطاً وثيقاً وجدلياً بقيم الحرية والكرامة الإنسانية، والاعتراف بالحقوق المشروعة والهوية الثقافية والسياسية.

في هذا السياق، يتحدث رئيس فرع الرقة لحزب الوطن السوري، الرفيق محمد الخلف ” اليوم العالمي للسلام يعتبر دعوة لأن يعمّ السلام جميع شعوب المنطقة، وأن يكون شعارنا: السلام أولاً. فلا يمكن أن تستقر الأوضاع في كافة النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية والتعليمية والصحية دون سلام يعمّ المنطقة. فالسلام أساس التعايش، ويبدأ من الفرد والأسرة”.
وأضاف الرفيق محمد الخلف ” إن المجتمع يُبنى على الثقة والتسامح ونبذ الخلافات الجانبية، حيث عاشت المنطقة منذ بداية الربيع العربي في فوضى عارمة، ودخلنا في نفق مظلم أدى إلى تمزق الروابط الأسرية والمجتمعية. وللرجوع إلى ما كنا عليه، يجب طي صفحات الماضي، والبدء بسلام حقيقي من أجل سوريا جديدة متعافية من جراح الماضي؛ وطنٍ يسع الجميع بكل مكوناته وأطيافه وقومياته، وطنٍ فيه جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات. لا استقرار ولا تعايش بدون السلام”.
فالاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والقومي لمكونات الشرق الأوسط هو المدخل الأساسي لأي سلام حقيقي، فالشعور بالإنصاف والاعتراف بالهوية يسقط مبررات النزاع، حيث ترتبط الكرامة بالحق في تقرير المصير والمشاركة السياسية الفعالة. ولا يمكن بناء سلام مستدام على أرضية من القهر أو سلب الحقوق الأساسية.
كما يعتبر الحوار ركيزة أساسية لمسار سلام مستدام، حيث يتحول الحوار في هذا السياق من أداة دبلوماسية نخبويّة إلى ثقافة مجتمعية يومية تهدف إلى حل الخلافات التاريخية وتفكيك الصور النمطية المتبادلة، وهو ما يسهم في تأسيس دولة المواطنة القائمة على هذا المنظور، وفق مبدأ المساواة المطلقة أمام القانون، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب، مما يجعل من الدولة مظلة جامعة تحمي الجميع وتضمن حقوقهم.
وفي سوريا، تكتسب دعوات السلام اليوم معنى أكثر ارتباطاً بالواقع، مع انتقال العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية إلى مسار الحوار، كاختبارٍ لإمكانية تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع يحفظ وحدة البلاد ويضمن حقوق مكوناتها، ولا سيما الكرد الذين عانوا سنواتٍ من التهميش، ويضع الحوار بدلاً من المواجهة طريقاً لمعالجة الخلافات.
ومع إعلان «قسد» اندماجها ضمن مؤسسات الدولة، يبرز السلام بوصفه خياراً يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، عنوانها الشراكة الوطنية والاستقرار، حيث يتيح هذا الاتفاق التاريخي إعادة دمج الموارد والثروات الوطنية ضمن الاقتصاد الوطني العام، مما يسهم في دفع عجلة التنمية وإعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية لجميع السوريين.
والأهم من كل ذلك هو إنهاء المعاناة الإنسانية، خصوصاً بعد سنوات طويلة من الصراع الدامي، الذي لم يترك إلا ندوباً في الوجدان السوري. فاليوم، هذا التوافق يفتح آفاقاً كبيرة، وعلى رأسها أن يتم بناء خيار السلام والشراكة، وينهي مأساة النزوح، ويسمح بعودة اللاجئين، ويقضي على بؤر التوتر والمخاوف الأمنية، مستبدلاً لغة السلاح بلغة البناء والتطوير والتعايش السلمي، ليبقى الشرق الأوسط عموماً، وسوريا خصوصاً، يبحثان عن السلام المنشود في تفاصيل ارتدادات المصالح الدولية.

من جهته، بيّن رئيس مكتب العلاقات في حزب الوطن السوري، الرفيق خليل الأحمد، أن ” السلام في الأوطان هو الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها مجتمعاتنا، والدرع الحامي الذي يضمن للشعوب العيش بكرامة وطمأنينة. فبدون السلام، تصبح الأوطان مجرد مساحات جغرافية خالية من الاستقرار، وتتوقف عجلة البناء والتنمية والازدهار”.
وأشار الرفيق خليل إلى أن ” السلام والمحبة هما الضامنان لمستقبل أفضل لأبنائنا وللأجيال القادمة، فبدونهما تتحول الأرض إلى جحيم، والحياة إلى مأساة. فلنعمل جميعاً على أن نكون رسلاً للسلام، لنضمن لأوطاننا مستقبلاً مشرقاً يرفرف في سمائه الأمان والاستقرار”.
وفي هذا اليوم، يجب أخذ الملف الإنساني كأولوية حقيقية، فمخلفات الحرب، رغم الانخفاض الملحوظ في حدة المعارك الكبرى والعمليات العسكرية الواسعة مقارنة بالعقد الماضي، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، كونها سبباً في إبقاء واقع السلم الميداني في سوريا مشوباً بالخروقات والتهديدات الأمنية المستمرة. ولا يتوقف الخطر عند اشتباكات خطوط التماس المتقطعة، بل يمتد ليشمل أزمة مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، التي تحولت إلى قاتل صامت يهدد حياة المدنيين، ولا سيما الأطفال والمزارعين في الأرياف.
وبناءً عليه، يتبين لنا أن السلام ليس مجرد حبرٍ على ورق المعاهدات، ولا هو مجرد لحظة صمتٍ مؤقتة تتوقف فيها المدافع، بل هو نهج حياة مستدام وعقد اجتماعي وإنساني متجدد. فإن السلام الحقيقي هو الذي يولد من رحم العدالة، ويتغذى على قيم الحرية والكرامة، وينمو في ظلال الاعتراف بالآخر والمساواة المطلقة.
فعندما تلتقي المبادرات الإنسانية العالمية مع الإرادات الوطنية المخلصة، ويتحول الحوار من خيار دبلوماسي إلى ثقافة مجتمعية راسخة، تفتح الشعوب الأبواب أمام فجر جديد يتسع للجميع. فإن حماية السلام هي مسؤولية جماعية تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وإيماناً عميقاً بأن الشراكة والتعايش هما الحصن المنيع الذي يحمي مستقبل الأجيال القادمة، وينأى بالأوطان عن ويلات التمزق والتشظي، ليبقى السلام دوماً هو القيمة الأسمى والأمل المتجدد لبناء عالم يسوده الأمان والبناء.
